شاعر عمان الشيخ أبو مسلم البهلاني
للكاتب أحمد الفلاحي
للكاتب أحمد الفلاحي
أبو مسلم الشيخ ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي هو أبرز شعراء عمان في العصور الحديثة على الإطلاق وهو من رموز الشعر في عمان على مدى تاريخ هذا الشعر تدفقت شاعريته وانبجس تيارها العرم صاعدا بقوة إلى الطبقات العليا والسماوات البعيدة لا يحده حد ولا يحجزه حاجز ففرض نفسه بقوة على عمان كلها مع كثرة شعرائها وبلغائها في عصره وفاضت منه فيوض نحو اليمن والخليج وبعض بلاد العرب الأخر
ولأبي مسلم تأثير واضح في الشعراء العمانيين الذين عاصروه أو الذين جاءوا من بعده ولم يستطع أحد مجاراته أو الصعود إلى منزلته فضلا عن تجاوزه إلى منزلة أعلى ولقد قلت في مرات كثيرة وما زلت أقول إن شاعرا في مثل هذا التوهج وهذه العبقرية والموهبة العظيمة لو ظهر في دمشق أو القاهرة أو بغداد لكان في مقدمة كبار شعراء العربية من أمثال شوقي والجواهري والأخطل الصغير وغيرهم ولكن وكما أقول دائما أن المكان العماني ظالم لمبدعيه وعلمائه وأعلامه. ولا شك أن خروج شاعرنا إلى زنجبار قد جدد قليلا في لغته ورؤيته للأمور والحياة ومكّنه من الإطلاع على بعض المستجدات التي لم تكن معروفة في عمان يومئذ وأتاحت له إقامته بزنجبار لفترة طويلة الاتصال مع الأقطار العربية وفي مقدمتها مصر التي يبدو أنه كان يتابع بعض مجريات أحداثها من خلال قلة من المصريين حلوا بزنجبار منهم في التدريس ومنهم زائرون وشعراء أو من خلال الصحف المصرية التي لعلها كانت تصل زنجبار وقد ذكر هو نفسه في رسالته إلى الإمام سالم الخروصي أنه نشر مقالة في جريدة «الأهرام» المصرية كما نشرت له مجلة «المؤيد» المصرية للشيخ حسن يوسف أبياتا من قصيدته المصرية الرائية لكن هذه التأثيرات العصرية في شعره كانت محدودة جدا ولم يظهر في شعره أي ذكر لأعلام عصره من العرب لا من أهل السياسة ولا من أهل الأدب وشوقي شاعر العربية الكبير كانت قصائده تنشر في الصفحة الأولى من «الأهرام» لا نجد له أي صدى لدى أبي مسلم وكذلك غيره من شعراء تلك الفترة الكبار وإذا نظرنا إلى الحوادث الكبرى كمثل الحرب العالمية الأولى والأحداث المؤثرة عربيا وإسلاميا وعالميا فهي أيضا غائبة عن شعره تماما وظهور المخترعات الحديثة التي توالت وأحدثت تأثيراتها البالغة في حياة البشر والفلسفات والنظريات التي هزت الدنيا وزلزلت رؤية البشر لمعظم القضايا لا نلمس لها أي ذكر لديه عدا قصيدته القصيرة في وصف القطار وهيأته وحركته وسرعته وشكل صناعته وقد جاءت في أحد عشر بيتا وعدا إيماءات خاطفة عن بعض الفلسفات الأوروبية المثيرة للجدل يوم ذاك وهذا في الحقيقة مستغرب من مثله لا سيما وأنه قد عمل في الصحافة لبعض الوقت وإن كانت صحافة متخصصة ولم تستمر طويلا فمن المفترض أنه كان على دراية ومتابعة للحوادث والأحداث فهل أن شعره الذي وصل إلينا غير كامل وضاعت منه الأجزاء التي تناولت بعض هذه الأمور؟ وقد أشار جامع ديوانه ابن أخيه الشيخ سالم البهلاني أن الكثير من أشعار الشاعر قد ضاع وفقد. أو أنه انشغل بحياته الخاصة وهمومها في تلك السنوات الأخيرة من عمره وخاصة بعد انتهاء دولة الإمام سالم الخروصي الذي كان يراهن ويعول عليه ومما لعله يؤيد هذا الرأي قصيدته التي وجهها للإمام الخليلي بعيد مبايعته على لسان ابن أخيه سالم بن سليمان وفيها يشكو حالته وظروفه وشيخوخته المبكرة ومرضه وتلهفه للعودة إلى عمان مطالبا بإلحاح مساعدة الإمام التي يبدو أنها لم تصل إليه أو أنها وصلت ولكن مغادرة زنجبار لم تكن متاحة له لأسباب لعلها سياسية وقد سبق له أن اشتكى منها في بدايات عهد الإمام سالم «أفارق في إفريقيا عمر عاجز» حيث أن انحيازه القوي لدولة الإمام الخروصي وتأييدها بنشاطه وبقصائده الطنانة في نصرتها والدعوة لها ومقالته التي نشرها في الأهرام في التعريف بها كانت السبب في عزله عن مناصبه وقطع رواتبه ومضايقته وتشديد الرقابة عليه ومنعه من مغادرة زنجبار ثم انتهاء حياة الخروصي المفاجئة غير المتوقعة وهو في عز شبابه وفي بدايات عهده لعله أحدث آلاماً نفسية وجسدية للشاعر لم يطق احتمالها وأدت إلى تدهور حالته وتضعضع صحته مما عجل بموته وهو ما زال في بداية الستين من عمره في السنة ذاتها التي مات فيها الخروصي وخلفه الخليلي وهنا لا بد أيضا من التساؤل عن شعره في رثاء الإمام سالم الذي طالما شدا بمدحه وتمجيده؟ وأين أشعاره كذلك في مبايعة الإمام الجديد ومساندته والقصيدة التي أشرنا إليها في مخاطبة الإمام الخليلي ضعيفة وليس فيها شاعرية أبو مسلم وقوة سبكه ثم أنه كتبها على لسان ابن أخيه ولم ينسبها لنفسه وقد تكون القصيدة فعلا من نظم ابن أخيه الشيخ سالم بن سليمان وهو شاعر وقد أراد منها لفت نظر الإمام إلى عمه ونسبها إليه ليكون الاهتمام بها أكبر ولا شك أنه كان محبطا للتداعيات التي حصلت ولعله في تلك الفترة كان منصرفا عن الشعر ومتفرغا بكليته لكتابه «نثار الجوهر» الذي كتب آخر سطر منه قبل يومين أو ثلاثة من وفاته. ومع ذلك يظل السؤال قائما عن حالة الصمت التي خيمت على تلك الشاعرية الدفاقة فأسكتتها. وخلاصة القول أن هذا الشاعر العظيم يعتبر بصمة مميزة ونقطة فاصلة في الشعر العماني وينبغي أن تتضافر الجهود لتحقيق ديوانه والبحث عن نواقصه والاجتهاد في إخراجه الإخراج اللائق المناسب وأرشح لهذه المهمة الصعبة الدكتور محمد بن ناصر المحروقي وذلك لخبرته وسعة اطلاعه فيما يتعلق بالشاعر وإنتاجه حيث كانت دراسته لدرجة الماجستير عن ذلك الشاعر المهم وقد توفر له أثناء إعداد بحثه كثير من المعلومات والمخطوطات ويعد كتابه الذي ظهر عن المركز الثقافي العربي في بيروت قبل عدة سنوات أهم ما كتب عن شاعرنا على الإطلاق حتى الآن لهذا أنا أحثه وأؤكد عليه ليضطلع بتحقيق هذا الديوان وتجميع شتاته وضبط قصائده والاعتناء به ليخرج للجمهور كاملاً وقد سبق لي أن تحدثت إليه مراراً عن هذا الشأن الوطني البالغ الأهمية.
بقي أن أشير سريعا إلى أن الشاعر قد ولد في منطقة «وادي محرم» من «سمائل» بلاد قومه وأهله الأمجاد عام 1860م على ما رجحه د. محمد المحروقي في كتابه آنف الذكر وقد تلقى تعليمه على يد صفوة من علماء وأعلام عصره في مقدمتهم والده الشيخ القاضي سالم بن عديم الرواحي والشيخ محمد بن سليّم الرواحي وتأثر كثيرا بالعلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وكذلك يمكن القول أنه استفاد من الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي الذي كان زميله في الدراسة وصديقه الحميم.
وشاعرنا من أسرة علمية توارثت العلم أبا عن جد فقد كان والده قاضيا على مدينة نزوى في عهد الإمام عزان بن قيس البوسعيدي وكان جده الأكبر كذلك قاضيا في بدايات دولة اليعاربة.
وقد ذهب الشاعر إلى زنجبار واستقر بها وكان أحد أعلامها المتميزين وتزامل هناك مع مجموعة من كبار العلماء والقضاة الذين تفصح مراثيه لهم بعد وفاتهم عن مدى العلاقة الوطيدة التي ربطته بهم.
وقد عمل في زنجبار أستاذا للغة العربية وعلوم الفقه وتتلمذ عليه كثير من الأعلام من أبرزهم الشيخ القاضي سالم بن محمد الرواحي والشيخ القاضي برهان بن مكلا القمري - من جزر القمر- ثم صار قاضيا فرئيسا للقضاة وكان في رغد من العيش وفي حياة رخية نظرًا لمحبة سلاطين زنجبار له واحتياجهم إليه في مهماتهم وأمورهم إلى أن تغير الحال بعد مناصرته لدولة الإمام سالم الخروصي وتأييدها مما تسبب في عزله ومضايقته ومنعه من السفر. وكانت وفاة شاعرنا الكبير عام 1920 م ودفن في زنجبار.
ولشاعرنا نزعة إلى التصوف ظهرت بارزة جلية في شعره الديني مقتديا في ذلك بالإمام الأكبر الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي الذي كان شديد الإعجاب بشخصيته ويراه قدوته ومثله الأعلى وشيخ طريقته وإمامه في منهج السلوك وقد ترك شاعرنا الكثير من المؤلفات لعل من أبرزها كتابه «نثار الجوهر» الذي نثر فيه كتاب «جوهر النظام» للإمام السالمي ومات قبل أن يكمله، وكتاب «النفس الرحماني»، وكتاب «النشأة المحمدية»، وكتاب «المعرج الأسنى»، وكتاب «العقيدة الوها بية»، وكتاب «النور المحمدي».
وأصدر في 1911م مجلته «النجاح»التي كانت تصدر مرة كل عشرة أيام والتي يبدو أنها لم تعمر طويلاً.
ولا بد أن نشير إلى أن الشعر الاستنهاضي لأبي مسلم كان الدرة اللامعة في قصائده وأشعاره إضافة إلى قصائده الصوفية التبتلية والنبوية التي يوظفها التوظيف الملائم في مجال مقاصده وطموحاته التي يتمناها ويسعى لها اتباعا لمنهج أشعار قدوته الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي.
